مَن يشرّع وضع اليد على الأملاك العامة في الجنوب؟

0

صحيفة السفير:
ماذا يحدث في بعض مناطق الجنوب اللبناني ومن المسؤول عن الاعتداء على الأملاك العامة والسطو على المشاعات، ومن يؤمن المظلة السياسية التي تغطي المعتدين، وأين السلطة السياسية وأذرعتها الأمنية والإدارية والقضائية المولجة منع التعديات والسهر على تطبيق القانون؟
تلك الأسئلة فرضتها الصورة الجنوبية المستجدة من منطقة جنوب صيدا باتجاه صور وصولاً إلى العرقوب، وكلها تشي بتداخل المصالح السياسية والشخصية والطائفية، ما أنتج واقعاً شاذاً سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم واختفت معه مساحات واسعة من المشاعات العامة البرية والبحرية، بلا حسيب او رقيب، وبذرائع مختلفة.
وقد اتخذ وضع اليد على الأملاك والمشاعات من الأزمة المعيشية او السكنية عنواناً لتشريع المخالفات وتبريرها في هذا المكان أو ذاك، واتكأ من جهة ثانية على قرار وقف رخص البناء الصادرة عن البلديات الذي سبق وأصدره وزير داخلية حكومة تصريف الأعمال زياد بارود في شباط العام 2010 ، لكي لا تشكل تلك الرخص عامل استفادة للبلديات ورؤسائها انتخابياً على أبواب الانتخابات البلدية الماضية، إلا انه استظل بالسياسة بشكل عام واخذ بعداً مذهبياً وكيدياً في مناطق معينة، تفشت معه ظاهرة البناء العشوائي على آلاف الدونمات من الأراضي العامة، وباتت معه الواجهة الساحلية البحرية خاصة في الصرفند وعدلون مهددة بالباطون المسلح.
واذا كان هناك من يسجل وجود حالات معيّنة لجأ فيها اصحاب الحاجة الى ارتكاب مخالفة، منتهزاً فرصة تشريعها بقرار سياسي من هنا او هناك، الا ان ذلك لا يبرر ما قيل عن دخول بعض اصحاب الاموال على الخط ووضع اليد على مساحات من الأملاك العامة. وبحسب التقديرات غير النهائية، فإن آلاف الدونمات من الأملاك العامة قد تمّ اجتياجها، وشيّد عليها حتى الآن نحو ألف وحدة سكنية، فضلاً عن المخالفات على الأبنية القائمة التي زيدت عليها طبقات اضافية في غير مكان.
وأمام ذلك تبدو القوى الامنية عاجزة عن القيام بدورها المطلوب في مكافحة هذا الفلتان، ولأسباب عدة ليس أقلها النظرة الملتبسة اليها من قبل المواطنين، وكذلك افتقارها الى التجهيزات والعدد المطلوب من العناصر، بالاضافة الى تواطؤ بعض العناصر مع المخالفين بالرشوة وتلقي الاموال، وأما عجزها الأكيد فيتبدى امام القرار السياسي الذي يشكل مظلة الحماية لتلك المخالفات، فضلاً عن حسابات سياسية تتعلق بإمكان وجود قطبة مخفية بحرق هذا الموظف غير المدني أو ذاك!
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن الشرارة انطلقت من منطقة الزهراني وتحديداً في الاملاك العامة التابعة لبلدة البيسارية التي يقطنها مهجرون من يارين الحدودية، وسبب اشتعالها ما اعتبره اهالي تلك المنطقة «تمرير» عدد من الابنية المخالفة بتغطية من قيادة قوى الأمن الداخلي في الجنوب وذلك بناء على طلب من أحد نواب مدينة صيدا قام بمراجعة المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي الذي طلب بدوره تسهيل اعمال البناء خاصة بعدما سعى احد كبار المسؤولين الأمنيين الرسميين في الجنوب الى منع تلك المخالفات.
وبحسب ابناء تلك المنطقة، فإن عدداً من ابناء البيسارية المحسوبين ثارت ثائرتهم بعدما عرفوا بأمر السماح لغيرهم بالقيام اعمال البناء والتي طالت مشاع البلدة، فباشر بعض اهالي البلدة بالبناء على اسطح منازلهم المبنية اساساً في الاملاك العامة.
وتشير المعلومات الى ان صداماً كبيراً وقع بين الاهالي وقوى الامن التي واجهت صعوبة بالغة في وقف تلك المخالفات، وخاصة بعد إقدام أحد الشبان على التهديد بإحراق نفسه، فيما بقيت وحدات الجيش المنتشرة جنوباً على الحياد ولم تتدخل تخوفاً من ارتدادات لا تحمد عقباها، وذلك على الرغم من الطلبات المتكررة لقوى الأمن بتدخل الجيش في قمع المخالفات ووقف اعمال البناء العشوائية، حيث كان جواب الجيش ان وحداته تؤازر الدرك في حال اندلاع مشاكل وليس له التدخل في قمع مخالفات البناء.
وقد تسبب العجز في منع المخالفات في انتشار اعمال البناء كالفطر على الأملاك البحرية في عدلون وانصارية والنجارية وسواها من القرى الساحلية وامتداداً الى منطقة الزراعة والمساكن الشعبية وطيرفلسيه شرق صور وبلدات مجاورة وصولاً الى المنصوري التي شهدت أمس مواجهة بين القوى الامنية والاهلية على خلفية بدء اعمال البناء في الاملاك العامة كان يقوم بها بعض ابناء بلدة مجدل زون المجاورة.
ولوحظ أن «امل» و«حزب الله» اعتصما بالصمت حيال ما يجري، ما خلا إعلان الحركة مؤازرتها للقوى الأمنية في منع اعمال البناء على املاك وزارة الزراعة في حي الزراعة. وكذلك «حزب الله» الذي عمّم على عناصره عدم التعدي على اراضي الدولة وترك خيار اضافة البناء على المنازل القائمة.
واوضح مصدر أمني رسمي في الجنوب، لـ«السفير» ان المسألة تعود الى نحو عشرين يوماً، «بعد بروز ظاهرة البناء العشوائي في حي يارين في البيسارية». وقال إن القوى الأمنية استنفدت قوتها وإجراءاتها في مواجهة هذه الظاهرة، ولكنها لم تستطع كبح جماح هذه الظاهرة، وذلك لاتساع رقعة المخالفات وحجمها، حيث أحصي حتى الآن ما يزيد عن 500 مخالفة في الجنوب ولا سيما في عدلون والصرفند والبيسارية (حي يارين) والزرارية والسكسكية، وهناك احتمال ان تتوسع الى مناطق أخرى وتحديدا في صور ولا سيما في زبقين والمنصوري ومجدل زون، بالاضافة الى مخالفات اخرى
سجلت في مناطق النبطية والعرقوب، وكان قد سبقها وضع اليد على بعض المشاعات في منطقة بنت جبيل ومرجعيون في سياق أعمال المسح والتحديد والفرز والتحرير التي تقوم بها الدوائر العقارية في وزارة المال.
واشار المصدر الى ان السبب الرئيسي في عدم تمكن القوى الامنية من ازالة المخالفات ومنعها هو «الضغط» الذي مارسته قوى سياسية نافذة الى جانب المخالفين. وبالتالي كل الاجراءات التي اتخذناها كانت عاجزة عن المعالجة نتيجة الضغط السياسي. لافتاً الانتباه الى اجراءات عدة اتخذتها قوى الامن الداخلي، التي قامت بما أمكنها، حيث اوقفت العديد من المتورطين في الاعتداء على المشاعات، كما حجزت العديد من الآليات من جرافات وجبالات وغيرها التي تستخدم في اعمال البناء، بالاضافة الى فصل عدد من الضباط والعناصر ممن تتورطوا في هذه المسألة.
وقال المصدر ان اجتماعات عدة حصلت في سرايا صيدا حضرها المحافظ وممثلون عن قوى الامن وهيئات بلدية واختيارية وقوى سياسية واحزاب لكنها لم تؤد الى نتيجة ملموسة بعد، سوى الاتفاق على العودة الى «قانون الـ120 متراً».
بارود: تطبيق القانون
وقال وزير الداخلية زياد بارود لـ«السفير» إن موقف وزارة الداخلية هو الإصرار على تطبيق القانون، وهذا ما لا يعجب البعض، إن على الاملاك العامة، او على الاملاك الخاصة من دون استيفاء شروط الترخيص.
واشار الى ان الوزارة بالنسبة الى الاملاك العامة تعي وجود حالات «شيوع»، وتعرف ان في بعض المناطق لم تكتمل عملية التحديد والتحرير والفرز، ولكن هل يعني ذلك السماح بالبناء بصورة عشوائية، وهل يعني ذلك مخالفة فانون البناء لجهة إلزامية موافقة المكتب الفني في التنظيم المدني التابع لوزارة الاشغال؟
وقال بارود إن التعليمات المعطاة للقوى الأمنية تقضي بمنع كل الاعمال المخالفة، واذا كانت هناك من شكوى على القوى الأمنية فهناك المفتشية العامة، وانا لا اغطي أي مرتش واي مرتكب.
واشار بارود الى تلقيه منذ أشهر كتاباً من وزير الاشغال غازي العريضي يتقاطع مع موقف وزارة الداخلية، وقال ان الحل يكون بتسهيل شؤون المواطنين الواقعين في حالة من الشيوع في الملك، او في مناطق يصعب فيها الحصول على موافقة المكتب الفني، لكن ذلك يجب ان يكون الاستثناء، وهذا الاستثناء لا يمكن القبول به إلا من خلال تعديل تشريعي في مجلس النواب، وثمة اقتراح قانون من مادة وحيدة أعدّ بالتوافق مع عدد من الكتل النيابية، وهو ينتظر انعقاد جلسة تشريعية في مجلس النواب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.