مذوخا.. أول جسر عبور نحو البرازيل

0

صحيفة البناء ـ
أحمد موسى:
«أنجبتهم» فسكنت أحشائهم، هاجروا إلى أصقاع العالم، لكنهم لم يبارحوها. لا يمكن الفصل بينهما، فهي حكاية وفاء وفخر متبادل، عن «مذوخا» وأبنائها، الذين رمت بهم مآسي الوطن إلى محيطات الغربة، فثبّت الولاء قلوبهم في أراضي الوطن.
«مذوخا» وهي إحدى بلدات قضاء راشيا الـ17، تتمركز على ربوة تطل على سهل منبسط، وتحيط بها مجموعة من الجبال، تبعد عن العاصمة مسافة 78 كيلومتراً، ويمكن الوصول إليها عبر طريق شتورة ـ المصنع ـ بيادرالعدس- مذوخا.
تاريخها متشابك وغني، فمن خلال قراءةٍ لبعض كُتُب التاريخ المتخصصة، تؤكد أغلب الرويات أنها أسّست قبل حوالى (500) خمسمئة عام. في وقت تعيدها بعض نظريات الأركيولوجيا إلى عصر الامبراطوريَّة اليونانيّة، نظراً لوجود قصرٍ يونانيٍّ في أعلى جبل مذوخـا الشرقيّ، المُطِلِّ على «عين عرب» و«بكّا» و«ينطا» وباقي المنطقة.
ويرتبط اسم هذه القرية، بحكاية أول لبناني هاجر إلى البرازيل، وهو من أبنائها، لذلك يرتبط اسمها بظاهرة الاغتراب اللبناني.
الاسم الأصلي للبلدة هو «دوح أو دوخ» ويعني الغسل والتطهير بالماء، وفي السريانية يعني المملح أوالمبتل بالبهارات، وتشير بعض المصارد اللغوية إلى أن كلمة مذوخا قد تعني «المطرقة». وقد يكون الاسم مجازياً نسبة إلى قلعة أو حامية.
————–
«البناء» قصدت مذوخا، تلك البلدة التي يسندها متكأ صلب، هي الجبال الشرقية المتصلة مع سورية، الصخرة الصماء التي تتكسر عليها كل المؤامرات والأحقاد، فوقفت عند أحوالها، مميزاتها، معاناتها، وكل ما يغيب عن خارطة الاهتمام الرسمي والشعبي بها.
نواب الحرمان
رئيس البلدية أحمد ذبيان، وفي لقاء مع «البناء» تحدث عن تاريخ مذوخا «العابق بالنضالات العربية والقومية»، متطرقاً إلى الواقع الإنمائي «المغيب» عن بلدته والمنطقة خلال الحقبة الماضية إبّان الحكومات السابقة.
ويؤكد أن النواب الذين تعاقبوا على كراسي البرلمان عن هذه المنطقة، زادوا حرمانها، وأقحموها في نفق المصير «المجهول». ويشير ذبيان إلى أنه خاض معركة انتخاباتٍ بلدية وحيداً في وجه المال السياسي الذي صبّهُ فريق السياسة العوجاء، مستخدمين كافة الأسلحة لمنعه من الفوز ولائحته في الانتخابات البلدية الماضية، مستنداً إلى الغالبية الساحقة من أبناء بلدته الذين ساندوه في معركته ضد «غول» المال السياسي، الذي لم يؤثر على سير تحقيق أهداف بلدته وأهلها، المقيمين منهم والمغتربين.
مجلس متماسك
يتميز المجلس البلديّ في مذوخـا اليوم، بضمّه نسبة كبيرة من الشباب الواعي، المثقَّف والطَموح، وهو المجلس الوحيد، حسب معلوماتِنـا، في قضاءي راشيّـا والبقاع الغربيّ، الذي يتضمَّنُ اثنتَيْنِ من النساء وفق حديث ذبيان إلى «البناء».
وأكد أن هذا المجلس سيكونُ قُـدوةً حسنةً، لمن سيأتي بعدَه متابِعاً للمسيرة، ورائداً لغيرِهِ في مهامِّ المجالس البلديّة عبْرَ القرى والبلدات .
وقال: «لقد أعطتنا مذوخا البيئةَ المساعِدة لِما أصبَحْنا فيه. فلها عليْنا أن نكونَ أوفياءَ ومتواضِعين، ونعترِفَ، بوضوحٍ وشفافيّة، أنَّهـا أكبرُ منّا جميعاً وأكرمُ يداً وأوسع فضاءً وأعلى هامـات»، واعداً بأن الأيام الآتية ستشهدُ للمجلس الحالي بالنشاطِ المُنتِج والإخلاصِ المُتفاني، إضافة إلى نظافةِ الكفِّ والمعاملةِ الأخلاقية والمتزنة، وعبّر عن فخر مجلِس البلديَّة «لتمثيله هذا النوع والكَمّ المُذُوخِيَّيْنِ الناجِحَيْنِ» في أنحاءِ العالم المُتَرامي الأطراف».
المشاريع
وتحدّث ذبيان عن المشاريع المُزمَعُ تنفيذها في السنوات الخمس المقبلة وهي كثيرة وتأخذُ الطابعَ العامّ، وحتى نهاية هذه السنة2011 وهي التالية: ملاعب كرة قدم، كرة الطائرة، كرة السلّة وكرة المضرِب، حدائق أطفال، الساحة العامّة، مدخل البلدة، متَنزه «فوق العيْن»، متنزه «عين قنية»، موقع إلكتروني وإنشاء كاميرات مراقبة هو الأوّل من نوعه في لبنان. بالإضافة إلى إزالة الأبنية المتداعية، إنشاء حدائق عامّة في أمكنتها، إنشاء المرحلة الأولى من أرصفة الطريق العامَّة، غرس أشجار وإقامة منشيات.
أمّا المشاريع التي لا تزال البلدة بحاجة لها والتي ستُنَفَّذُ، في السنوات القادمة خلال الولاية المتبقية للمجلس البلدي الحالي فهي: حديقة عامة، قصر بلدي، متنزه متعدد الاستخدام على مساحة 11ألف كيلومتر مربع، استكمال الملاعب الرياضية الأربعة وفق المواصفات المطلوبة، والمجهزة بكل ما هو مطلوب ومشاريع أخرى قيد الدرس وهي متنوعة وعديدة.
وأكد ذبيان أن حجم المشاريع التي نفذت حتى اليوم كلفت مئات ملايين الليرات، غالبيتها من أموال المغتربين، «لأن البلدية تفتقد إلى الكثير من الأموال قياساً على حجم المشاريع المطلوبة للبلدة ورؤية المجلس لرفعها وتطويرها، ونحن مستمرون في هذا العمل لتحقيق حلم تطور مذوخا في أجمل صورة، وتنفيذ كل المشاريع المطلوبة».
السياسة.. سُم
وعن تدخلات السياسة والسياسيين في العمل البلدي اعتبر ذبيان: «رغم أنها (البلديات وعملها) تخضع لتناقضات سياسية في العمل البلدي، اعتمدنا أسلوب التعاطي الإيجابي في العمل البلدي، قافزين فوق كل هذه الإعتبارات، فـ«الأخصام» مهما اعتمدوا من أساليب عملية تخدم المصلحة العامة، لا يمكن أن يوافقونك الرأي، وهذا متعارف عليه في القرى».
أضاف، إن النظرة إلى التنمية العامة من زاوية «المصلحة» الفردية أو الضيقة تعقد وتأخر تطور البلدة، مشيراً إلى أن التدخلات السياسية تضرّ بالعمل البلدي بشكل أساسي، لأن القرى عندما تدخل فيها السياسة، تصبح رهينة «النكايات والأحقاد»، وهذا يضرّ المصلحة العامة، وكافة أشكال العمل البلدي.
مخصّصات نواب.. نجهلها
ولفت إلى أن غالبية المشاريع التي تنفذ في المنطقة، خاضعة بشكل أو بآخر لـ«محاسيب سياسية»، فلم يعرف أهل القرية أي وجه من وجوه المشاريع الإنمائية، التي يفترض أن يغطيها نواب المنطقة عبر مخصصاتهم.
وقال: «لقد حصلنا على جزء من حصتنا من مشاريع وزارة الأشغال العامة، بالتعاون والتنسيق مع وزارة الأشغال بين البلدية والوزير وائل أبوفاعور، وأهمها مشروع تعبيد الطرقات، بقيمة تقدر بـ 200 مليون ليرة لبنانية عن سنتي 2010 و2011». كما شكر للوزيرين العريضي وأبوفاعور إدراج القرية في المشاريع التي ستطلق في السنوات القادمة.
استهداف العمل البلدي
إن الهدف من العمل البلدي هو «استثمار» كل الخبرات التي تكونت لدى المجلس عبر السنين والعلاقات التي بناها في سبيل مصلحة مذوخا، وبالتالي المنطقة، وفق ما أكده ذبيان لـ«البناء». وأضاف: «لقد أدخلنا إلى صندوق البلدية أموال خاصة من مغتربينا أكثر من الأموال التي حصلنا عليها من الصندوق البلدي المستقل لعام 2009، وسنستمر بهذا العمل في سبيل مصلحة البلدة وتقدمها وتطورها، على الرغم من أن كل الأشغال والأعمال التي نفذت والتي لا تزال قيد الإنجاز، تبقى البلدية تقوم بأشغال بسيطة، فموازنة البلدية السنوية من الصندوق البلدي المستقل، لا تكفي حجم المصاريف المترتبة على البلدية من صيانة ونفايات ومعاش موظفين وشرطة وغيرها». لافتاً إلى إنشاء جداول تكليف، لم تكن موجودة من قبل.
اللامركزية..
وفيما رأى ذبيان أن اللامركزية الإدارية مطلوبة، ذهب لأبعد من ذلك، إلى حيث تكون البلدية أساس في تنفيذ المشاريع، وليس أن تخضع للوزارات المختصة، على أن يُصرف لها المال اللازم، معتبراً أن ذلك يدعّم الرقابة الإدارية والتنفيذ الصحيح، بدلاً من أن يخضع للمحسوبية أو«الهدر والسرقة». منتقداً أسلوب التعاطي مع البلدية من قبل البعض، الذين يطالبونها بكثير من الأشياء في وقت يجهلون العمل البلدي أصلاً، ورأى أنه من واجب البلدية أن تهتم بكافة شؤون البلدة، ولكن كيف يتحقق ذلك من دون الدعم المالي اللازم والكافي لإنجاز المهام؟
لمحة عامة
ترتفع مذوخا عن سطح البحر 1200 متراً وتبلغ مساحتها 60 كلم مربعاً تحدها خربة روحا جنوباً، بكا وعين عرب شرقاً، البيرة غرباً وعيتا الفخار وينطا شمالآ، أما عدد سكانها فيبلغ المسجلون: 2500 نسمة، أما المقيمون في لبنان: 600 نسمة، ما يعني أن المغتربون، يشكلون 1900نسمة، وينتشرون في كندا، البرازيل، الولايات المتحدة الأميركية، وفنزويلا.
عائلاتها
المضاوي، البيراني، الخطيب، برعط، جانبين، حمود، ذبيان، شحبر، شمس، صوفان، عساف، عبد الحميد، عمر، موسى، مرعي، ناصر، ويوسف.
أما موارد عيش أبنائها، فتعتمد على تحويلات المغتربين، إضافة إلى بعض الأعمال الحرة التي يزاولونها، وموظفي القطاعين العام والخاص والعسكريين، وكذلك الزراعة.
الآثار
تضم البلدة بقايا معبد روماني يقع على سفح الجبل المطل من الجهة الشرقية الجنوبية، إضافة إلى بقايا قرية قديمة العهد في مزرعة عين قنية الواقعة ضمن منطقة مذوخا العقارية (شمال البلدة). ومن آثارها أيضاً، نواويس محفورة في الصخر وعاديات مختلفة العهود للحضارات المختلفة التي تعاقبت على أراضيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.