بلديّة الفنار دجاجة تبيض ذهبا

0

صحيفة الأخبار ـ محمد محسن:
التقرير الصادر أخيراً عن النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، والذي يكشف فضائح مالية بالجملة ارتكبت في بلدية الفنار، يكشف أيضاً كيف يمكن البلديات، التي تشكو غالباً من غياب الموارد المالية، أن تتحوّل إلى دجاجة تبيض ذهباً

560 مليون ليرة هدر مال عام. 223 مليون ليرة محاباة ومحسوبيات. 236 مليون ليرة مساعدات لغير مستحقيها. هذه الأرقام هي حصيلة عملية حسابية بسيطة لما ورد في «التحقيق في مخالفات مالية في بلدية الفنار»، الصادر عن النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، والذي أحاله وزير الداخلية والبلديات زياد بارود على النيابة العامة التمييزية في 9 آذار الماضي. يحفل التقرير الصادر في 8 كانون الأول من العام الماضي، والذي حصلت «الأخبار» على نسخة منه، بـ14 مخالفة صُنّفت تحت خانتين: الأولى جرائم جزائية تقع تحت خانة قانون العقوبات وقوانين مكافحة الفساد وتبييض الأموال، والثانية مخالفات مالية تقع تحت طائلة أحكام المادتين 60 و61 من قانون ديوان المحاسبة. وتمتد مدّة المخالفات، التي تطال مختلف شؤون البلدية الإدارية والتنفيذية، من عام 2007 إلى عام 2010.
تتعلّق أولى المخالفات بموضوع استملاك العقارين 314 و315 في الفنار، والتخلي عن العقارين 1520 و1521، إذ يشير التقرير إلى مخالفات عديدة تلحق الضرر بالمال العام ارتكبتها البلدية في هذه القضية، أبرزها: دفع تعويض غير مشروع لمالك العقار 314 قيمته 72 مليون ليرة، على الرغم من أن الإنشاءات على هذا العقار بُنيت في عهد رئيس البلدية السابق وبأموال هبات مقدمة للبلدية، «ما يؤلّف سبباً يحول دون التعويض عن هذه الإنشاءات لمالك البناء»، كما جاء في التقرير.
كذلك تخلّت البلدية عن 281 متراً من العقار ذاته، مستملَكة بموجب المرسوم 9720 تاريخ 3 آذار 2003 ومدفوعاً ثمنها في وقت سابق، وأعادت دفع تعويض غير مستحق عنها بلغ 126 مليوناً و450 ألف ليرة. كذلك استعجلت دفع التعويض لمالك العقار 314، فيما أخّرت دفع التعويض 7 أشهر لمالك العقار 315 على نحو غير مبرّر، مع أن تحقيقات ديوان المحاسبة أكّدت توافر الأموال في تلك الفترة، وهو ما عدّته «قرينة واضحة على المحاباة وسوء استعمال السلطة». اللافت أن البلدية أعطت «إفادات كاذبة ومستندات غير صحيحة لاستعمالها في معاملات رسمية، حيث أعطت إفادة بأن العقارين 314 و315 لا يتضمنان أي إنشاءات أو أبنية، فيما البلدية دفعت تعويضاً إلى مالك العقار 314 مقابل البناء المقام عليه»!
ثالثة المخالفات في التقرير تتعلّق بالتعاقد مع محام في ظلّ وجود عقد اتفاق سنوي ودائم مع محام آخر، ما يُعدّ بحسب التقرير «هدراً لمال البلدية العام»، لأنها ستدفع راتباً إضافياً (19،5 مليون ليرة) يفترض أن يدفعه المحامي الأول (قانوناً).
المخالفة الرابعة تتجاوز قيمتها 159 مليون ليرة، قيمة أشغال منفذة في البلدية لغير المتعهدين الذين نفّذوا الأشغال. ويتحدّث التقرير عن مخالفات في تسلّم الأشغال، وتورّط أحد أعضاء البلدية في تنفيذ الإنشاءات خلافاً للقانون، إضافة إلى مخالفات أبرزها تسديد رئيس البلدية دفعة ثانية من حساب التعهدات في منزله من دون وجود إيصال بالمبلغ المدفوع.
خامساً، عيّنت البلدية في 19 نيسان الماضي شرطياً بلدياً مراقباً للأشغال بعد نقله من سلك الشرطة إلى سلك الإدارة. يسجّل التقرير مخالفات في هذا الصدد، أولاها عدم توافر الخبرة الكافية لدى الشرطي المعيّن لتأدية مهمته الجديدة، فضلاً عن أنّه لم يخضع لمباراة تعيين مراقب أشغال، فـ«شروط مباراة الشرطي تختلف عن شروط مباراة مراقب الأشغال». تتوالى المخالفات، حيث يتهم التقرير رئيس البلدية بإهدار المال العام عبر اتخاذ قرار خاطئ بإقفال طريق وإقامة حوض للزهور مكانها، ثمّ إعادة فتحها بناءً على قرار قضائي، «ما كلّف البلدية أموالاً طائلة».
تبرز مخالفة التقصير والمحاباة في جباية الرسوم البلدية نافرة، لضخامة الرقم الوارد في التقرير، مع عدد ممن لم يسددوا رسوم البلدية التي «لم تتخّذ أي إجراءات قانونية في حقّهم». أمّا مبلغ المخالفات التي يبدأ أقدمها في عام 1994 وتنتهي جميعها في عام 2010 فيبلغ نحو 223 مليون ليرة. من جهة أخرى، يتحدّث التقرير عن تستّر رئيس البلدية على أحد جباة الضرائب الذي لا يقوم بواجباته الوظيفية، ومع ذلك يتقاضى كامل رواتبه وتعويضاته ومستحقاته… وحتى المكافآت، علماً بأنه تأكد لديوان المحاسبة أنّه مرتبط بعمل خاص خارج البلدية.
وتبيّن لمدقّق ديوان المحاسبة أن بلدية الفنار لزّمت أشغالاً لمتعهد تبين أنّه قدّم عرضَي أسعار صادرين عن الشركة نفسها أو عن شركتين شقيقتين، ما يمكن فهمه أنّه يمنع البلدية من الحصول على أفضل العروض بأقلّ الأسعار. كذلك تبيّن أن فواتير الأشغال التي ينفذّّها بعض المتعهدين غير نظامية، وفاقدة للبيانات الضرورية، كاسم المؤسسة، ومكان المركز التجاري، واسم الزبون، ورقم الفاتورة المتسلسل، إلخ. وأرفق التقرير جدولاً بـ12 فاتورة غير نظامية من عام 2007 إلى 2009 تجاوزت قيمتها 180 مليون ليرة. ولفت التقرير إلى أنّ محاضر التسلّم التي توقعها لجنة البلدية «صورية ولا قيمة لها». أمّا عن آليات البلدية وسياراتها، فقد أشار التقرير إلى أن البلدية لا تملك «دفاتر مهمّة» ولا دفاتر صيانة لآلياتها، في ظلّ صرف مبالغ كبيرة على صيانة الآليات وتصليحها.
مخالفة أخرى، لكن ذات طابع إنساني هذه المرّة. فقد ظهر بوضوح لدى المدقّق أن المساعدات الاجتماعية قد دُفع القسم الأكبر منها لأفراد أو طلاب أو جمعيات لا يستحقونها، بعضهم «تربطه برئيس البلدية أو بأعضائها أو بموظفيها روابط عائلية مقرّبة، والبعض الآخر يعمل وينتج وليس بحاجة إلى مساعدة».
وبحسب التقرير، فقد بلغ رقم المساعدات المدفوعة بطريقة غير قانونية، نظراً إلى رفض قائمقام المتن التوقيع عليها، أكثر من 108 ملايين ليرة، أما المبالغ المدفوعة خلافاً للأصول إلى المؤسسات والجمعيات التي لا تتوخى الربح خلال الأعوام من 2007 إلى 2009 فبلغت أكثر من 122 مليون ليرة. زد على ذلك ملايين الليرات التي دفعت بدلاً من أكاليل ومصاريف دفن موتى. المخالفة الرقم 11، ضمن مخالفات في تشغيل العمّال المياومين، إذ اعتمدت البلدية مصطلح عمال موسميين، وهو غير مدرج على لائحة تصنيف العمال. فهم إما دائمون وإما مياومون. أمام البلدية 50 قراراً في 3 سنوات، طعن التقرير بشرعيتهم. والسبب؟ استمرار عضو بلدي، مدان جزائياً، بالتوقيع على قرارات المجلس البلدي. وتفوق قيمة المدفوعات الواردة ضمن القرارات المطعون في شرعيتها 100 مليون ليرة. ثمّة مخالفات أخرى واردة، تتحدّث عن استيفاء أموال عمومية من دون أن يثبت توريدها إلى حسابات البلدية. هكذا، طلب التقرير مجموعة أمور، أبرزها: «ملاحقة رئيس بلدية الفنار وأعضاء المجلس البلدي الموقّعين على هذه القرارات والشركاء والمساهمين والمتدخّلين أمام ديوان المحاسبة سنداً للمادتين 60 و61 من قانون تنظيمه».

——————————————————————————–

بين الكيديّة والتسييس

لا تزال قضية المخالفات القانونية لبلدية الفنار في النيابة العامة المالية، حيث يُستجوب جميع أطرافها، المشتكي والمشتكى عليه، ولا يزال الدفاع عن البلدية جارياً على المستوى القضائي. أمّا في الفنار، فتتعدّد الروايات. يتبنّى داعمو رئيس البلدية الحالي فرضية «الملف المسيّس»، وأنّ المتقدّم بالشكوى الأولى التي فتحت الباب أمام ديوان المحاسبة للحديث عن «المخالفات الأخرى» هدفه الثأر، لأنّه لم يعد رئيساً للبلدية، بعدما سحب المجلس البلدي ثقته به في عام 2007. أمّا مناصرو رئيس البلدية السابق، فيشيرون إلى تراجع وتيرة العمل البلدي منذ تسلّم المجلس الحالي، ويتحدثون عن «أعمال كيديّة تقوم بها البلدية الحالية ضد الرئيس السابق».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.